الغنم بالغرم والخراج بالضمان

الصفحة الرئيسية

 

 

إنَّ الشريعة الإسلامية السمحاء تقوم على أساس القسط والعدل والمساواة في كلِّ مجالات الحياة الإنسانية، فلو تتبَّعنا الأحكام الشرعية في مجال المعاملات لوجدناها مبنية على هذا الأساس، وما تحريم الربا والغرر والتدليس إلاَّ لكونها تتنافى معه .

وقد استنبط العلماء القاعدة الفقهية العامة التي تحكم هذا المجال وهي: «الغنم بالغرم والخراج بالضمان»، والمقصود العام منها تحميل الفرد من الواجبات والأعباء بقدر ما يأخذ من الميزات والحقوق، بحيث تتعادل كفتا الميزان في الواجبات والحقوق، فلا تثقل إحداهما على حساب الأخرى، فتنطبق بشكل عام على علاقة الإنسان بربه وبنفسه ومع غيره من المخلوقات[1]، وهي قاعدة لها علاقة وطيدة بقوانين الفطرة الإنسانية التي فطرها الله عليها، كأصل من أصول نظام الحياة .

وسنحاول في هذا البحث الموجز تسليط الضوء على هذه القاعدة في مجال المعاملات.

إنَّ قانون استعمال المال يقوم على المخاطرة، أي احتمال الربح والخسارة، وإذا اتفق طرفان على استثمار ما؛ فلا بد أن يتحمَّلا معا نتائج ذلك الاستثمار سواء كان إيجابيا أو سلبيا، فلا يمكن أن يتحمل أحدهما الخسائر لوحده، أو يستأثر بالإرباح  لنفسه، مع اتخاذ كلِّ التدابير اللازمة لدرء أيِّ خسارة محتملة، ووضع كلِّ الوسائل، وتسخير الطاقات لتحقيق الغرض من ذلك الاستثمار، وهو تحقيق الأرباح.

* الغنم بالغرم :

الغنم لغة: هو الفوز بالشيء والربح والفضل، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، والغرم: الدين ؛ وأداء شيء لازم. ومن القواعد الفقهية (الغنم بالغرم) ومعناها: أنَّ من ينال نفع شيء يتحمَّل ضرره، ودليل هذه القاعدة قول النبي e: «لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه». والمقصود من غنمه زيادته ونتاجه، وغرمه هلاكه ونقصه[2]

الخراج بالضمان :

*«الخراج بالضمان»[3]

 حديث نبوي صحيحٌ ومعناه ما خرج من عين ومنفعة، فهو للمشتري مقابل ما كان عليه من ضمان الملك، فإنـَّه لو تلف المبيع كان عليه ضمانه، فالغلَّة له؛ ليكون الغنم مقابل الغرم. وسبب ورود هذا الحديث: أنَّ رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم، ثم وجد فيه عيبا، فخاصمه إلى النبي e فردَّه عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استعمل غلامي، فقال عليه السلام: «الخراج بالضمان». قال أبو عبيد: الخراج في هذا الحديث غلَّة العبد يشتريه الرجل فيستغلَّه زمانا، ثم يعثر منه على عيب دلَّسه البائع، فيردُّه ويأخذ جميع الثمن، ويفوز بغلَّته كلِّها؛ لأنهَّ كان في ضمانه، ولو هلك هلك من ماله [4].

* تطبيق القاعدة على العقود:

لقد نظر الفقهاء إلى العقود نظرات مختلفة وقسموها إلى مجموعات مختلفة، ومن أهمِّ هذه التقسيمات: عقود المعاوضات، وعقود التبرُّعات [5].

المعاوضات: وتقوم على أساس المبادلة والالتزامات المقابلة بين الطرفين ومثالها: البيع، السلم، القرض، المضاربة.

التبرعات: وهي ما كانت قائمة على أساس المساعدة والمعاونة من أحد الطرفين للآخر، مثل: الهبة، الوقف، الإعارة، والكفالة ...إلخ

وبما أنـَّنا نبحث في الضمان فعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار تصنيف هذه العقود باعتبار الضمان.

* تصنيف العقود باعتبار الضمان:

تصنَّف العقود باعتبار الضمان إلى أربعة أصناف [6]:

أولا:  عقد شرع لإفادة الضمان بعينه، وهو الكفالة: والتي تعني التحمل والالتزام. والكافل والكفيل: الضامن والضمين.  وتعني اصطلاحا: ضمُّ ذمَّة الكفيل إلى ذمَّة المكفول في التزام الديْن[7]، وهي من عقود التبرعات التي يندب إليها، فالهدف من الكافل هو التزامه بإرادة منه بتحمُّل دين المكفول.

ثانيا: عقود لم تشرع لإفادة الضمان بل للملك والربح ونحوها، ولكن الضمان يترتب عليها باعتباره أثرا لازما، وتسمَّى عقود الضمان، ويكون المال المقبوض فيها مضمونا على القابض مهما كان سبب التلف، كعقد البيع، القسمة، القرض ..

ثالثا: عقود يتجلَّى فيها طابع الحفظ والأمانة والربح في بعض الأحيان، وتسمَّى عقود أمانة، ويكون المال المقبوض فيها أمانة في يد القابض لا يضمنه إلاَّ إذا تلف بسبب تقصيره في الحفظ، كعقد الإيداع والعارية والشركة بأنواعها.

رابعا: عقود ذات وجهين تنشئ الضمان من وجه والأمانة من وجه، وتسمَّى عقودا مزدوجة الأثر كعقد الإجارة والرهن والصلح. وسنركِّز في بحثنا على عقود الأمانة وعقود الضمان، أي على النوع الثاني والثالث .

* التمييز بين عقود الأمانة وعقود الضمان:

ومناط التمييز بين عقود الأمانة وعقود الضمان يدور مع المعاوضة، فكلَّما كان القصد من العقد هو المعاوضة، كان العقد عقد ضمان، وكلَّما كان القصد منه غير المعاوضة كالحفظ ونحوه كان العقد عقد أمانة.

*الضمان في عقود الأمانة:

الأصل في عقود الأمانة أنها لا تضمن، فهي أمانة في يد القابض، إلاَّ إذا تعدَّى عليها وقصَّر في حفظها.

وعقود الأمانة هي: الإيداع، والإعارة، والشركات، والوكالة والوصاية، والهبة، وسنتناول العقود الأولى كنموذج .

أولا- الإيداع: هو استنابة في حفظ المال، أو توكيل في حفظه، وتعتبر الوديعة أمانة في يد الوديع، ويعتبر الوديع أمينا، ومعنى الأمانة أنها غير مضمونة، والوديع غير مسؤول عما يصيبها من تلف جزئيٍّ أو كليٍّ، إذا كان بآفة سماوية إلاَّ أن يكون التلف بتعدٍّ أو تقصير، وهذا الحكم مأخوذ من الحديث «ليس على المستودع غير المغل ضمان ولا على المستعير غير المغل ضمان»[8]، «من أودع وديعة فلا ضمان عليه»[9]

ومن أهمِّ أحكام الإيداع ردُّ الوديعة عند الطلب، وتضمن الوديعة على الوديع لسبب من هذه الأسباب[10]:

1)     إذا ضيعها ولم يحفظها، أو إذا أتلفها.

2)     إذا أودعها هو بدوره عند من لا يودعه ماله في العادة.

3)     إذا استعملها في قضاء حاجاته ومآربه الخاصَّة.

4)     إذا نقلها من بلد إلى آخر وسافر بها.

5)     إذا خالطها بما لا يتميز عنه.

6)     إذا خالف الوديع في كيفية الحفظ.

7)     إذا مات الوديع ولم يبين حال الوديعة عنده.

8)     إذا جحدها أو منعها عند الطلب.

ثانيا- الإعارة: وهي تمليك المنفعة بغير عوض، وتميزت عن الإجارة لأنها تمليك المنفعة بعوض، ففي كلتيهما تمليك المنفعة، لكنَّ المنفعة في الإجارة مبيعة وفي العارية متبرع بها.

اختلف الفقهاء في ضمان العارية:

أ‌)      الأحناف والإباضية: أنـَّها لا تضمن إلاَّ بالتعدِّي والتقصير، لحديث النبي e: «ليس على المستعير غير المغل ضمان»[11] ويقول الكندي صاحب المصنف وهو من علماء الإباضية: «قال أصحابنا: العارية لا تكون مضمونة إلاَّ بالتعدي، وهو قول القاضي شريح»[12]

ب‌) المالكية: يرون التمييز بين ما يمكن إخفاؤه كالثياب والحليِّ فيضمن، وما لا يمكن إخفاؤه كالعقار والحيوان فلا يضمن.

ت‌) الشافعية: أنَّ العارية تضمن إذا تلفت باستعمال غير مأذون.

ث‌) الحنابلة: أنَّ العارية مضمونة إذا تلفت سواء تعدَّى فيها المستعير أم لم يتعد، والضمان بمثلها أو بقيمتها، واستدلوا بحديث صفوان بن أمية أنَّ النبي e استعار منه دروعا يوم حنين فقال أغصب يا محمد قال: «عارية مضمونة» وفي رواية: «نعم عارية مؤداة»[13]

أرى - والله أعلم - أنَّ قول الحنابلة أرجح. فالمستعير يستعمل ويستغلُّ ما أعاره لمصلحته، فيضمن تلفه مادام هناك غنم، فينبغي أن يقابله غرم، ثم إنَّ التضمين أدعى للمحافظة على العين المعارة، ولكي لا تستعمل فيما لا يؤذن  فيه حسب رأي الشافعية.

*ثالثا:  الضمان في الشركة :

لا يختلف الفقهاء أنَّ مال الشركة أمانة في يد الشركاء، كمال الوديعة، فإذا هلك في يد أحد الشركاء من غير تعد أو تفريط لم يضمنه، وهذا هو حكم الأمانات، فإذا كان الشريك أمينا في المال فيقبل قوله في مقدار الربح والخسران كما يقبل قوله في الضياع.

ومن أنواع الشركات وأهمها شركة المضاربة، ومال المضاربة أمانة في يد المضارب فهو وكيل وأمين ونائب عن صاحب المال في التصرف فيه بالاستثمار والتدوير، لتحقيق هدف الشركة وهو جني الأرباح.

إذا كانت يد الشريك يد أمانة إلاَّ أنَّ الشرع الحنيف لم يدعها على إطلاقها، بل قيده بعدم التعدِّي والتقصير. أو الخروج عن شروط المضاربة وأعرافها، ومما يعتبر تعديا مخالفة المضارب ما قيَّده رب المال بالاتجار في بلد معين أو سلعة معينة أو وقت أو مع شخص معين؛ لأنَّ المضاربة تقبل التقييد المفيد.

* تقييد المضاربة بنوع من القيود[14] :

لا تخلو المضاربة إمّا أن تكون عامَّة أو خاصَّة، فالعامَّة هي التي يُطلق فيها ربُّ المال يد التصرف للعامل في كلِّ ما يرجو فيه ربحا، فهذا جائز على عموم التصرُّف، وللعامل أن يشتري أيَّ بضاعة شاءها، وفي أيِّ مكان.

أما الخاصَّة: فهي التي يُقيِّد فيها ربُّ المال العاملَ بالمضاربة على صنف معين من أصناف التجارة، أو التعامل مع شخص معين، أو في مكان معين، أو يحدِّد له أجلا تنتهي المضاربة بانتهائه.

وقد أجاز الفقهاء هذا النوع من القيود، ما لم يؤثِّر على سير الشركة في تحقيق الغرض منها، يقول الشيخ عامر الشماخي[15]: «وللمضارب أن يشترط على ربِّ المال أن يتَّجر في أجناس معلومة، وفي ضرب من التجارة معلوم، وفي بلد معلوم وبلدان معلومة، ولربِّ المال عليه مثل ذلك من الشروط، وليس له أن يتعدَّى شرطا رسمه له، فإن تعدى كان ضامنا»، وذكر الشيخ اطفيش: «ما رُوي عن الصحابي الجليل حكيم ابن حزام t أنـَّه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة ألاَّ تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في ريح، ولا ينزل به بطن مسيل، فإن فعلت ذلك ضمنت مالي»[16].

فإنَّ هذه الشروط تخفِّض من نسبة المخاطرة، وتجعل المال المستثمر أكثر أمنا وأدنى إلى صيانته من التلف والضياع.

وسوف نعرض لهذه الشروط التقييدية:

1)      المضاربة المقيدة بصنف معين من التجارة:

لو أراد ربَّ المال أن يعين للمضارب صنفا معينا من التجارة، مما هو مبذول يتيسَّر وجوده في أغلب الأحيان، فعلى العامل أن يتقيد بذلك.

وهذا القيُّد مهمٌّ في درء المخاطرة، خاصَّة في هذا العصر، إذ أصبح التخصُّص الدقيق هو سبيل النجاح في مجال الاستثمار، فالتخصُّص مثلا في تسويق منتوج واحد كنوع من أنواع السيارات، أدعى لعدم تشتيت الموارد وحصرها في أصناف معينة. أمَّا القيد على صنف يندر وجوده كنوع من الثياب أجنبية الصنع غير متيسرة، فلا يجوز هذا القيد.

2)      تقييد المضارب بالبيع والشراء من شخص معين:

اختلف الفقهاء في صحَّة التبايع من شخص معيَّن كأن يقول له مثلا: خذ هذا المال مضاربة على أن تشتري به من فلان وتبيع منه.

قال الأحناف: لا مانع من ذلك، والإمامية والحنابلة، ويرى المالكية خلاف ذلك، أمَّا الشافعية فيقولون: إنَّ المقصود من المضاربة هو طلب الربح، وكلَّما توسَّع نطاق التجارة كانت الفائدة أكثر، وفي حصر العامل بمعاملة شخص معين يضيق عمل المضارب وتقل الفائدة.

غير أنَّ مفهوم الشخص قد توسع في العصر الحاضر من الشخص الطبيعي الفرد إلى الشخص المعنوي الاعتباري، الذي يمثل الشركات بمختلف أحجامها وأنواعها، فإذا اشترط ربُّ المال مثلا على المضارب ألاَّ يتعامل إلاَّ مع شركة معينة تتخصص في إنتاج معين، ويؤمِّن توزيع هذا المنتوج في مدينته أو منطقته، فذلك أضمن لتحقيق الأرباح، خاصة إذا كان المنتوج يشكِّل مادة أساسية أو استراتيجية.

3)       تحديد المضاربة بمكان معين[17] :

لو أراد ربُّ المال أن يعين للمضاربة مكانا معينا يتاجر به فلا يغادره، فلا يخلو المكان المحدَّد أن يكون عامًّا كمدينة أو مدن، أو خاصًّا كسوق مدينة أو حانوت معين، فهل يجوز هذا القيد؟

قال الأحناف: إذا كان المكان المحدَّد عامًّا كمدينة من المدن جاز لربِّ المال أن يُقيد المضاربة بهذا القيد، واعتبروا شرطه مفيدا «إذا دفع رجل إلى رجل مالاً مضاربة على أن يعمل به في الكوفة، فليس له أن يعمل في غير الكوفة ... وإنه شرط مفيد لأنَّ الأماكن تختلف بالرخص والغلاء»[18].

وأجاز المالكية أيضا هذا الشرط، فإذا خالفه المضارب كان ضامنا[19].

وهذا القيد مفيد، وتعليل الأحناف بكون الأماكن تختلف بالرخص والغلاء، له أمثلة واضحة في عالمنا المعاصر، فإذا كان رأس المال الأولي لتأسيس منشأة تجارية ضئيلا، فلا يمكن إقامتها بإحدى العواصم الكبرى، حيث ارتفاع الإيجار وغلاء العيش وتكاليف الحياة، ربما يكفي نفس المبلغ في إقامتها في مدينة متوسطة أو قرية صغيرة، إذن فتحديد المكان حسب حجم الشركة وطاقتها له ما يبرِّره أيضا من الناحية الاقتصادية.

* أثر اشتراط الضمان على العامل ( المضارب ):

رأينا أنَّ المضاربة مبنية على الأمانة والوكالة، والعامل فيها وكيل ونائب عن رب المال، ويكون المال أمانة في يده، وأنَّ الأصل فيه أنـَّه إذا هلك بدون تعدٍّ منه أو تقصير هلك على صاحبه، فما هو أثر اشتراط الضمان على المضارب؟

إذا اشترط ربُّ المال الضمان كانت المضاربة فاسدة[20]، وبهذا قالت المالكية، جاء في شرح الزرقاني عند كلامه عن القراض الفاسد: «وقراض ضُمِّن أي شُرِط على العامل ضمان رأس المال إذا هلك، فقراض فاسد؛ لأنَّ ذلك ليس من سنَّته، وفيه قراض المثل إذا عمل والشرط باطل ولا ضمان عليه»[21] وقال الشماخي: «وإن اشترط ربُّ المال على المضارب الضمان - أعني - ضمان المال كلِّه أو بعضه فالمضاربة فاسدة، ويكون قرضا على المضارب والربح له بما ضمن»[22].

وقد علَّق الشيخ أبو ستة: لعلَّ هذا على قول من يقول «إن المضاربة يجوز أن تنقلب قرضا، وأمَّا قول من لا يجيز ذلك، فالظاهر أنـَّه لا يضمن وتكون المضاربة فاسدة، ويرجع فيها إلى كراء المثل والله أعلم»[23].

ويقول الشيخ اطفيش : «وقد أجمعوا أنه لا ضمان ولا خسارة على المضارب ما لم يتعد»[24] ويبين حكمة ذلك بوضوح بقوله: «وكلُّ من له الربح كله فالضمان عليه لما روي "الربح بالضمان"»[25]

ويضيف الشيخ: «وفسدت إن شرط ضمان المال أو بعضه، ورجعت قرضا والربح للمضارب، وقيل بينهما ولزمه الضمان، والشرط قيل صحيح وقيل فاسد، والمضاربة صحيحة»[26].

ويقول الكندي[27]: «مسألة في المضارب إذا شُرِط عليه ضمان رأس المال، قال: يبطل الشرط ولا ضمان عليه، وقال غيره، وقول يضمن والربح له بالضمان، وتبطل المضاربة ولا يثبت ضمان وربح في المضاربة» ويضيف: «وأجمعوا أنَّ المضارب لا خسران عليه، ولا يضمن من المال شيئا ما لم يتعدَّ فيه».

ونلاحظ في كلام الشيخ ملحظا دقيقا بقوله: «لا يثبت ضمان وربح في المضاربة»، أي لا يجتمع الربح والضمان في عقد واحد، فإن كان الهدف ابتغاء الربح فينبغي أن يكون المقابل هو الضمان، وإذا أراد تضمين ماله فعليه أن يتنازل عن الربح ويؤول  إلى القرض الحسن، وهذا ما يتلاءم مع قاعدة الغنم بالغرم، فالغنم لا يكون إلاَّ مقابل المخاطرة برأس المال.

وكذلك يرى الحنفية فساد المضاربة في حال ضمان رأس المال، وجاء في فتاوى أنقروي عند كلامه عما يفسد المضاربة: «ومنها إذا شرط على المضارب ضمان ما هلك على يده»[28] وبهذا صرَّح الإمامية حيث أفادت مصادرهم أنَّ اشتراط ضمان من الخسران على العامل يفسد القراض»[29] أمَّا الحنابلة فيرون أنَّ العقد صحيح والشرط باطل، جاء في مطالب أولي النهى: «متى شرط على المضارب ضمان المال   أو سهما من الوضيعة – أي الخسارة – فالشرط باطل والعقد صحيح، لأنـَّه لا يؤثِّر في جهالة الربح، فلم يفسد العقد»[30]. وهو الرأي الذي يُستنبط من آراء الشافعية فيقولون : «إنَّ العامل في القراض أمين ووكيل، وإنَّ شرط الضمان يتنافى مع مقتضى العقد»[31].

نرى كيف َّأن كافة المذاهب الإسلامية أجمعت على بطلان تضمين العامل لرأس المال، وإن اختلفوا في أثر ذلك على العقد أيفسده أم يبقى على صحَّته، وهو ما يتناسب مع قاعدة الغنم بالغرم، ومبدأ العدل والقسط الذي تقوم عليه الشريعة الإسلامية.

* هل تؤول المضاربة إلى قرض:

نصَّ الشيخ اطفيش على أنَّ المضاربة تؤول إلى قرض، مع خلاف بين الفقهاء إذا اشترط رب المال تضمين العامل ماله، وهو رأي صائب يتماشى مع روح القاعدة الفقهية.

والقرض: هو دفع المال لمن ينتفع به على أن يرد بدله[32].

أمَّا الأحكام المترتبة على عقد القرض فهي تضمين المقترض مال القرض، والحقيقة أنَّ القرض يحمل وصفين فقهيين:

أ) معنى العارية: لما فيه من الصلة والتبرع في الابتداء.

ب) معنى المعاوضة: في الانتهاء، لما فيه من وجوب ردِّ المثل بعد الاستهلاك.

فالقرض لا يمكن الانتفاع به إلاَّ باستهلاك عينه، فيستلزم إيجاب المثل في الذمة، ولاحتوائه معنى البيع كان عقد ضمان وترتبت عليه هذه الأحكام:

1)     إذا قبض المقترض المال ملكه حالا بمجرد القبض بعد العقد، فيضمنه بالهلاك والاستهلاك.

2)     قبضه قبض ضمان، لا قبض وديعة وائتمان، لذلك لو استغنى عنه بعد قبضه؛ لا يجب عليه رد عينه، لأنـَّه ملكه؛ بخلاف قبض العارية، لأنـَّها بعد القبض تبقى على ملك المعير، ولا يضمنها المستعير إلاَّ بالتفريط والتقصير[33].

* شرط الضمان على المضارب في القانون الوضعي :

لعلَّ من القضايا والأحكام التي يلتقي فيها القانون الوضعي مع الفقه الإسلامي مسألة عدم اشتراط تحميل الخسارة على المضارب كليا أو جزئيا، لأنَّ ذلك يتنافى مع روح التعاقد أصلا، فنجد أنَّ القانون ينصُّ في تعريف الشركة على الاشتراك في الربح والخسارة، ويعدُّ ذلك من الأركان الأساسية لعقد الشركة، فإذا اختلَّ هذا الركن بطلت الشركة.

تعريف الشركة:

عرف المشرِّع الفرنسي – الذي أخذ عنه المشرِّع المصري والجزائري وأغلب المشرِّعين في البلاد العربية – الشركة بأنـَّها: «عقد بين اثنين أو أكثر، يتَّفقون على وضع شيء بالاشتراك بينهم، بقصد قسمة الأرباح التي تنشأ بينهم»، فقد اعترض الشرَّاح الفرنسيون بأنـَّه لم ينصَّ على اقتسام الخسارة، ورد عليهم آخرون بأنَّ النص على اقتسام الأرباح يتضمَّن حتما الخسارة[34].

إلاَّ أنَّ المشرع المصري والجزائري تلافيا هذا النقص، فنصَّا صراحة في تعريفهما للشركة في القانون المدني، فعرَّفها المشرع المصري في المادة 55: «الشركة بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كلٌّ منهم في مشروع مالي بتقديم حصَّة من مال أو عمل، لاقتسام ما قد ينشأ من هذا المشروع من ربح أو خسارة»[35].

وعرَّفها المشرع الجزائري في المادة 416 من القانون المدنيِّ: «عقد بمقتضاه يلتزم شخصان طبيعيان أو اعتباريان أو أكثر على المساهمة في نشاط مشترك بتقديم[36] حصَّة من عمل أو مال أو نقد يهدف اقتسام الربح الذي قد ينتج ... كما يتحملون الخسائر التي قد تنجر عن ذلك». وقد نصَّت المادة 426 من نفس القانون أنـَّه إذا وقع الاتفاق على أنَّ أحد الشركاء لا يسهم في أرباح الشركة ولا في خسائرها كان عقد الشركة باطلا، وتضيف إضافة مهمة: «ويجوز الاتفاق على إعفاء الشريك الذي لم يقدِّم سوى عمله من كلِّ مساهمة في الخسائر على شرط ألاَّ يكون قد قررت له أجرة، ثمن عمله»[37].

وإذا كانت التشريعات الوضعية تجيز إعفاء صاحب العمل من المساهمة في الخسائر، فإنَّ الفقه الإسلاميَّ يوجب وجوبا عدم تحميله هذه الخسائر إذا لم يصدر منه تعد أو تقصير – كما تقدَّم من خلال البحث – ويكفيه أنـَّه خسر عناءه وجهوده خلال السنة المالية.

* الأركان الخاصة للشركة:

يحدِّد القانون أركان الشركة في أربعة هي :[38]

نية المشاركة.

تعدُّد الشركاء.

المساهمة في رأس المال.

اقتسام الأرباح والخسائر.

نرى كيف أنَّ اشتراط اقتسام الأرباح والخسائر هو ركن أساسيٌّ موضوعيٌ في الشركة، وكلُّ اتفاق على خلافه يقتضي بطلانها، فالحصول على الربح هو الغرض الأساسيُّ من عقدها، ولذا كان هذا الركن من أهمِّ أركانها، والمساهمة في الربح والخسارة أمرٌ تابع للشركة لا بدَّ منه، كما أنَّ هذا الركن يميز الشركة عن بعض أنواع المعاملات التي لا تعدُّ شركة.

* شركة الأسد:[39] تسمَّى الشركة شركة الأسد؛ إذا عقدت الشركة على أن لا يساهم شريك في الخسارة أو يُحرم شريك من الربح، أو يقتضي العقد تخصيص كل الأرباح لأحد الشركاء أو بعضهم دون البعض، أو شُرط في العقد أن يسترد أحد الشركاء حصته كاملة سالمة من كلِّ خسارة؛ بمعنى أن يساهم في الغنم دون الغرم، تبطل الشركة عند القانونيين بحسب الفقرة الأولى من المادة 515 من القانون المدني المصري: «إذا اتُفق على أنَّ أحد الشركاء لا يساهم في أرباح الشركة أو في خسائرها كان عقد الشركة باطلا» كما تعتبر فاسدة عند الفقهاء كما تقدم.

كيف تُحسب الخسارة إذا حصلت؟

تُخصم الخسارة أولا من الأرباح العامَّة التي حققتها الشركة، فإذا تجاوزت قيمتها حجم الأرباح اقتُصت من رأس المال، بدون أن يُحمَّل المضارب أكثر من نصيبه من الربح الذي يكون معوضا يجبر كلِّ خسارة، فإذا كان الخسران أكثر من ربح المال تعدى إلى رأس المال، وهذا ما نطقت به المادة 671 من القانون المدني: «إذا تلف شيء من مال المضاربة حُسب أولا من الربح؛ فإن جاوزه حُسب من رأس المال، فلا يضمنه المضارب سواء كانت المضاربة صحيحة أو باطلة»[40]، ويتفق ذلك مع مجلة الأحكام العدلية - التي تعتبر المرجع الأول في تقنين الفقه الإسلامي - فنصَّت المادة 1427: «إذا تلف مقدار من مال المضاربة فيُحسب في أوَّل الأمر من الربح، ولا يسري إلى رأس المال، وإذا تجاوز مقدار الربح سرى إلى رأس المال فلا يضمنه المضارب» وهو ما أكدته المادة 1428 من نفس المجلة [41] .

أخيرا، رأينا كيف أنَّ القانون الوضعيَّ ينطبق تماما في أحكامه مع الفقه الإسلامي في مسألة تضمين المضارب، فتفسد المضاربة في الفقه وتبطل الشركة في القانون الذي يرى أنَّ الاشتراك في الربح والخسارة ركن أساسيٌّ، فإذا اختلَّ هذا الركن انهدم العقد من أساسه.

مناقشة رأي فقيه إباضي معاصر[42] :

يقول شيخنا- بعد أن ساق الحكم العامَّ الذي يحكم نظام التعامل بالمال على أساس قاعدة الغنم بالغرم والخراج بالضمان، وأن على ربِّ العمل أن يتحمَّل ضياع جهده في حال الخسارة وعلى رب المال أن يتحمل خسارة رأس المال لوحده – فيقول[43]: «وهناك حالة قد ذكرها البعض - ولا مانع من ذكرها على جهة أمانة النقل للعلم - وإن كان جمهور العلماء لا يقولون بها ولا يجيزونها، وهي: أن لربِّ المال أن يشترط على مقارضه – صاحب العمل أن لا يحمِّله خسارة فيضمن له رأس المال». ثم ساق المبرِّر لهذا الرأي وهو أنَّ هذا الشرط ليس من الربا الذي يشترط زيادة معلومة مضمونة مسبقا، ثم يعلِّق شيخنا: «أقول لو أننا ننظر ونستنطق النص الشرعي - الربا - لغة وشرعا، وقد انصب على النهي عن الربا، الزيادة التي يضمنها العامل لربِّ المال قبل أن يتحصل هو عليها ويضمنها لنفسه»، ثم يسوق مبررات أخرى دينية وخلقية واقتصادية وهي:

1.تغير القيم الخلقية ونقص الوازع الديني.

2.كثرة التلاعب بأموال الناس.

3.انتشار البطالة بسبب عدم توفُّر فرص العمل.

4.عدم إقبال أرباب الأموال على استثمار مدخراتهم، مخافة ضياعها.

ثم يصدر شيخنا رأيه مساندا قول ذلك البعض: «قلت بناء على ما سبق فإنـَّه يبدو - والله أعلم – أنـَّنا إذا أخذنا كلَّ تلك الحيثيات بالاعتبار، فإننا قد نجيز - كما أجاز من أجاز - مثل هذا النوع من التعامل في الاستثمار والتشغيل، فنرغب صاحب المال أن يستثمر ماله إذا تقدم إليه نخبة من الشباب فردا أو جماعة، يلتمسون العمل، له أن يقرضهم على أساس مقاسمة الأرباح إذا حصلت، وفق ما يتفقون عليه من نسبة تخضع لقانون العرض والطلب» ثم يضيف:

 «قلت: قد لا يكون هناك مانع شرعا من اشتراط رب المال عدم تحمل الخسارة بالكلية، أو يشترط مقاسمة رب العمل له في ذلك بنسبة معينة، وله أن يشترط على رب العمل – رهانا مقبوضة أو كفيلا زعيما؛ وكيلا ضامنا بالمال أو بالوجه من ولي له أو عشيرة أو مؤسسة مالية، بل مؤسسة وشركة التأمين مثلا، وكأن هذا ما تسلكه البنوك والمؤسسات المالية المقرضة مع حرفائها غالبا أو عامة».

* ملاحظات حول هذا الرأي:

أولا: إن شيخنا لم يذكر لنا اسم هذا البعض، ولا إلى أي مذهب ينتمي،  أم هو رأي شخصي، حتى يمكننا العودة إليه وتمحيص رأيه، وحجته في ذلك.

ثانيا: يؤكِّد شيخنا أنَّ جمهور الفقهاء على غير ذلك، وقد رأينا إجماع الفقهاء من الشريعة ورجال القانون على عدم تضمين العامل المضارب رأس المال، ومع ذلك تبنى هذا الرأي الشاذ وبرره وأجازه.

ثالثا: إنَّ المبررات التي ساقها، هل هي كافية لنقض قاعدة فقهية أساسية مستندة إلى أدلة شرعية؟ وهل يجوز لنا - تحت ضغط الواقع المعيشي - أن نلوي أعناق النصوص الشرعية لنجعلها تتلاءم مع أهواء الناس ومصالحهم!

*مناقشة المبررات:

1) أوَّل المبررات التي استند إليها شيخنا أنَّ شرط تضمين المضارب رأس المال ليس من الربا، فنحن نتفق معه فيما ذهب، لكن هل المحرم في المعاملات هو الربا فقط؟ أليس الظلم وأكل أموال الناس بالباطل وعدم التساوي في الحقوق والواجبات، وعدم إقامة العدل والقسط في العقود، كلها تتنافى مع نص وروح الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى القسط والمساواة وإعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، انظر وتأمل تفسير المعنى العام للآية الكريمة: ]ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ...[ (سورة المطففين: الآيتان 1-2).

2) أمَّا المبرِّرات الدينية والخلقية، فإنَّ الشرع الحنيف لا يسمح لنا بتضييع الأموال وإعطائها لمن لا نثق فيه وفي دينه وخلقه، بل ينبغي أن نتأكد من أمانة ونزاهة من ندفع إليه أموالنا، يقول الشيخ اطفيش في هذا الصدد[44] «وإنما ينبغي أن يدفع ماله على القراض لرجل قويٍّ كيس حاذق عارف للتجارة، ولا يعطيه للضعيف الذي لا يقوم بالبيع والشراء، ولا يحفظ المال من الضيعة، ولا لمن لايتقي الله، ولا يتقي الربا والريبة والحرام، ولا لمن يخونه، ولا لمن يخاف منه أن يجحده، ولا لمن لا يقدر عليه أن يأخذ منه حقه».

وهذه شروط واضحة ومعايير محدَّدة يجب أن تتوفر في الإنسان الذي نعهد إليه أموالنا، ولا نكتفي بشرط التقوى والأمانة، بل يجب أن تتوفر فيه القوة والكياسة والحذق في أحوال التجارة، فلا يكون ضعيفا غير خبير بأساليب التسيير والتنظيم[45]، لكن إذا عدمنا هذه الصفات في أبنائنا وشبابنا، فإنَّ هناك خللا في المجتمع، خللا في التكوين والتربية، تتحمل الأمَّة مسؤولية ذلك، لأنـَّها لم تقم بواجب تنشئة أبنائها على التقوى والأمانة والصلاح والعمارة، لنعد إلى قيمنا وسلوكنا ومناهجنا التربوية وأساليب الدعوة ووضعها في مسارها الصحيح، بدلا عن البحث عن المبررات لتبرير واقعنا العليل.

لكن مع ذلك فلا نيأس ولا نقنط، فرغم ما قيل عن تدهور في الأخلاق ورقَّة في الدين فلا تزال البقية الصالحة من الشباب الطاهر الأمين الذي يُعوَّل عليه في تحمُّل أمانة عمارة الأرض وصيانة الدين بإقامة المشاريع الاقتصادية وتسيير دواليب الحياة.

3) أمَّا المبررات الاقتصادية، من انتشار البطالة لدى الشباب وعدم إيجاد فرص العمل، وتكدُّس الأموال لدى أربابها، وعدم توظيفها خوفا من ضياعها، فإنَّ الظروف المادية والاقتصادية لم ولن تكون أبدا سببا للتطاول على النصوص الشرعية وما أجمع عليه الفقهاء الأجلاء، لأننا نؤمن الإيمان الراسخ أنَّ الله لا يشرع لنا إلاَّ ما فيه مصلحتنا في الدنيا والآخرة، وهو أعلم بما خلق، فقد خاطب الله نبيه الكريم لما أمره بمنع الكفار من دخول المسجد الحرام – ربما سبب ذلك الحظر انخفاض في التجارة وانسياب السلع والمؤن إلى مكة –  فقال تعالى:

]وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم[ (سورة التوبة: الآية 28).

* ما هو الحل؟

إنَّ الحيثيات والمبررات التي ساقها شيخنا، رأينا أنها مهما كانت واقعية فلن تجعلنا نفكر في إيجاد الحيل واصطناع الرخص لتجاوز النصوص الشرعية، وإنما علينا أن نفكر في الأسباب التي أدت إلى هذه الظواهر التي لم نعهدها في سلفنا الصالح، فقد تخلينا عن أعرافنا التجارية التي كانت سائدة عند آبائنا وأجدادنا، وصرنا نلهث وراء الربح السريع، مهما كان مصدره امن الحلال أمن الحرام.

ولو عدنا إلى النصوص الشرعية والأحكام التي وضعها الفقهاء في مجال استخدام الأموال والشروط والضوابط في إبرام العقود والشركات، وطبقناها لحفظنا أموالنا من الضياع، ومن هذه الشروط:

*اختيار المضارب القوي الأمين:

رأينا كيف أنَّ الفقهاء أكَّدوا على هذا الشرط وحدَّدوا الصفات التي تتوفَّر في المضارب، وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه التعاقد في الأموال، فلا تسلَّم إلاَّ لمن توفرَّت فيه هذه المعطيات؛ لأنَّ المضارب مؤتمن ووكيل، فيسـأل عنه ويُشهِد عليه أهل التقوى، أو يختبره باستخدامه كأجير لمدَّة معينة، فإن تأكَّد صدقه وحسن أخلاقه يعهد إليه، وأمَّا أن تُسلَّم هذه الأموال كما اتفق لمن لا تُعرف أمانته ونزاهته، فذلك من التضييع الذي نهى الله عنه.

* تقييد المضارب بشروط:

يمكن لربِّ المال أن يقيد المضارب بشروط وتعليمات في كيفية استثمار مال المضاربة، كما فصَّل الفقهاء في نوع التجارة أو مكانها أو مع من يتعامل، في إطار ما حدَّده الفقه، فإذا تعدَّاها كان ضامنا لما قد ينجرُّ عن ذلك من خسائر، فكثيرا ما تضيع الأموال بسبب عدم تقييد المضارب وإعطائه الحرية المطلقة في التصرف.

*اشتراط الضامن والكفيل:

وهو ماأشار إليه شيخنا، كوسيلة تشجيع أرباب الأموال على المحافظة على أموالهم، فقد تحدَّث الفقهاء في فقه الشركات عن الربح عن طريق الضمان فأجازه أغلب الفقهاء[46].

لكن للضامن والكفيل الحقُّ في الاستفادة بجزء من الأرباح، فيصبح بذلك شريكا في المضاربة، له غنمها وعليه غرمها.

*تضمين المضارب في حالة التقصير والتعدي:

إذا ثبت أنَّّّ الخسارة التي لحقت بالشركة كانت بسبب تعدِّي وتقصير المضارب فعليه أن يتحمَّل تلك الخسارة، وهذا ما أكَّده الفقهاء، فالذي يعمد إلى أموال الشركة فيصرفها في مآربه الخاصة، أو يتعدَّى حدود سقف المصاريف المتفق عليها، أو يتخلَّى عن مسؤوليته في تسيير الشركة ويتركها لمن يعبث بها، عدَّ ذلك تقصير وتخلٍّ عن المسؤولية، فالشرع والعرف والقانون تقف إلى جانب ربِّ المال، وتلزم المضارب بتعويض الخسارة.

وإذا أضفنا إلى كلِّ هذه التدابير، الالتزام بالعرف التجاري، وضبط الحسابات فكثيرا ما يكون إفلاس الوحدات الاقتصادية بسبب عدم الالتزام بالأعراف التجارية وضبط الحسابات، بوضع دفاتر للدخل والخرج وتقييد كلِّ العمليات مهما كانت بسيطة. أمَّا إذا كان المسير منضبطا خبيرا بأساليب التسويق وحسن التعامل مع الزبائن والموردين، متتبعا لتقلبات الأسواق والأسعار وتوقعات المستقبل، فذلك أدعى للسير المريح للمؤسسة ودرء المخاطر المالية عنها.

ختاما، رأينا من خلال هذا البحث أنَّ الشريعة منبنية على القسط والعدل، وأعطت لكلِّ ذي حق حقه ]لا تظلمون ولا تُظلمون[ فضمنت حقوق ربِّ المال حتى لا تهدر أمواله ولا تبدَّد موارده، كما صانت حقوق المضارب إذا أخلص في عمله وقام بواجبه، فلا يضمن خسارة رأس المال إذا حدثت خارج نطاق إرادته، كلُّ ذلك ضمن قاعدة فقهية عامة تحكم كلَّ المعاملات وهي قاعدة: (الغنم بالغرم والخراج بالضمان». والله أعلم.

* قائمة المراجع:

1)       الاستثمار واقتصاد السوق بين الأصالة والعصرنة؛ أ: محمد بن بابة الشيخ بلحاج، دار البعث، قسنطينة، ط: 1 سنة 1996 1416

2)       الإيضاح، عامر بن علي الشماخي، دار الفتح، ط: 1 سنة 1974.

3)       شرح النيل وشفاء العليل، الشيخ محمد بن يوسف اطفيش، مكتبة الإرشاد جده، مكتبة دار الفتح، بيروت،ط: 2، سنة 1974.


 

4)       الشركات في الشريعة الإسلامية، د: عبد العزيز الخياط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط: 4، سنة 1994.

5)       عقد المضاربة، دراسة في الاقتصاد الإسلامي، د: إبراهيم الدبو، دار عمار، ط: 1، سنة: 1418 هـ/ 1998 م.

6)       الغنم بالغرم، د: حسن صالح العناني، دار نجيب، الأبيار، الجزائر.

7)       القانون المدني الجزائري، وزارة العدل، الديوان الوطني للأشغال التربوية، سنة 1999 م.

8)               المصَنَّف، أحمد بن عبد الله أبوبكر الكندي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، سنة 1405 هـ/ 1984 م.

9)       معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، د: نزيه حماد، المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

10)    الموسوعة الفقهية، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.

11)    نظرية الضمان في الفقه الإسلامي العام، د: محمد فوزي فيض الله، مكتبة الترا ث الإسلامي، ط: 1، سنة 1403 هـ / 1983 م.

 

 

 

 


 

[1] [1] - الغنم بالغرم، حسن صالح العناني، ص 13.

[2][2] - الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف الكويتية، ج 31 / ص 301.

[3][3] - أخرجه الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي من حديث عائشة رضي الله عنها .

[4][4] - الأشباه والنظائر، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، ص 136 .

[5][5] - عقد القرض في الشريعة، د : علاء الدين خروفة، ص 77 .

[6][6] - نظرية الضمان في الفقه الإسلامي، فوزي محمد فيض الله، ص 25 .

[7][7] - معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، نزيه حماد، ص 232 .

[8][8] - أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننهما .

[9][9]  - أخرجه ابن ماجه في سننه .

[10][10] - نظرية الضمان، ص 50- 51 .

[11][11]  - تقدم تخريجه .

[12][12] - المصنف، الكندي، ج 22 / ص 69

[13] [13] - رواه الإمام أحمد في مسنده .

[14][14] - عقد المضاربة، إبراهيم الدبو، ص 103.

[15][15] - الإيضاح، عامر الشماخي، ج 4 / ص 12.

[16][16] - شرح النيل، امحمد بن يوسف اطفيش، ج 10 / ص 300 .

[17][17] - عقد المضاربة، مرجع سابق .

[18][18] - بدائع الصنائع، الكاساني، ج6/ص 98

[19][19] - المدونة الكبرى، الإمام مالك، ج4/ص 63.

[20][20] عقد المضاربة، مرجع سابق، ص 134 .

[21][21] - شرح الزرقاني، مرجع سابق، ج 6 / ص 216.

[22][22] - الإيضاح، مرجع سابق، ج 4 / ص 11

[23][23] - حاشية أبي ستة، الإيضاح، مرجع سابق.

[24][24] - شرح النيل، مرجع سابق، ج 10 / ص 321.

[25][25] - المرجع السابق.

[26][26] - المرجع السابق، ص 322 .

[27][27]  - المصنف، الكندي، ج25 / ص96 .

[28][28] - فتاوى أنقروي : ج 2 / ص 232 .

[29][29] - البحر الزخار، ج 4 / ص 89 .

[30][30] - مطالب أولي النهى، ج3 / ص522.

[31][31] - نهاية المحتاج، ج 5 / ص 288 .

[32][32] - معجم المصطلحات الاقتصادية عند الفقهاء، ص 224 .

[33][33] - نظرية الضمان، مرجع سابق، ص: 47.

[34][34] - الشركات في الشريعة الإسلامية، عبد العزيز الخياط، ج 1 / ص 45 .

[35][35] - المرجع السابق.

[36][36] - القانون المدني الجزائري، ص 104 .

[37][37] - المرجع السابق، ص 106 .

[38][38] - الشركات في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، ص 126 .

[39][39] - الشركات، مرجع سابق، ص 162 .

[40][40] - عقد المضاربة، مرجع سابق، ص 170.

[41][41] - مجلة الأحكام العدلية.

[42][42] - هو الأستاذ: الشيخ بالحاج محمد بن بابه، أستاذ الفقه المقارن والتاريخ الإسلامي بمعهد الحياة – القرارة، وعضو حلقة العزابة، وعضو مجلس عمي سعيد – الهيئة الدينية العليا بوادي ميزاب – وعضو المجلس الإسلامي الأعلى للجمهورية الجزائرية.

[43][43] - الاستثمار واقتصاد السوق بين الأصالة والعصرنة، الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج، ص 71 – 78.

[44][44] - شرح النيل، مرجع سابق، ج 10 / ص 300.

[45][45] - تأمل قوله تعالى على لسان سيدنا يوسف عليه السلام: ]قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم[ (سورة يوسف: الآية 55).

[46][46] - الشركات في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق.